هل الصيام يحسن المزاج؟ نعم ولكن بشروط، وإليك

هل الصيام يحسن المزاج؟ نعم ولكن بشروط، وإليك

لم يفرض الله الصيام إلا لحكمةٍ، وكل حكم الله عطايا للبشر من منظور إلهي يختلف كل الاختلاف عن مقاييس البشر، فما بالك إن كانت الحكمة من الصيام واضحة جلية، بهدفها التربوي التحفيزي من تهذيب وتدريب وتمرس على الصبر، ومدعاة للتحلي بقوة الإرادة وتحسين السلوك، وضبط النفس والتروي، والامتناع ليس فقط عما حرمه الله، بل امتناع عما أحله الله تهذيبا للنفس البشرية المسلمة.

هذا ما كان ظاهرا من حكمة فرض الصيام، لكن قال رب السموات جل في علاه: "وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا" ليأتي العلم بعد أربعة عشر قرنا من الزمان من خلال الأبحاث ليستكشف ويثبت فوائد صحية وطبية ونفسية عديدة مترتبة على الصيام ومن أبرزها دور الصيام في تحسين الحالة المزاجية للفرد، وهذا ما سنستعرضه معكم خلال هذه المقالة.

يعزز الصيام من إفراز الهرمونات المسؤولة عن تحسين المزاج

يشير علماء التغذية إلى أن الصيام يحفز وظائف المخ ويعزز من صحة الجهاز العصبي حيث يساعد على حرق الدهون الاحتياطية وإنتاج الكيتونات (Ketones) التي تحفز إنتاج المخ لهرمونات تحسين المزاج مثل الدوبامين والسيروتونين.

وتعمل الكيتونات أيضا على بناء الروابط بين الخلايا العصبية التي تعمل على تنمية الذاكرة وتحسين الحالة النفسية.

وأشارت بعض الدراسات العلمية أيضا إلى أن مستويات بلازما الدم من السيروتونين والدوبامين تزداد بشكل ملحوظ خلال شهر رمضان وخلال فترات الصيام المتقطع.

كما تزداد أعداد عوامل نمو الأعصاب أو ما تعرف باسم Nerve Growth Factors التي تعمل على تجديد الخلايا العصبية وتحسين الذاكرة، وهناك العديد من فوائد الصيام للجهاز العصبي الأخرى، نذكر منها:

  • يُقلل الصيام من نسب حدوث مرض الزهايمر، حيث يعمل على تجديد خلايا المخ وتحسين عمل النواقل العصبية بالإضافة إلى تحسين مناطق الإدراك والذاكرة في المخ ما يَحد من تطور مرض الزهايمر وأمراض الذاكرة.
  • يحسن الصيام من وظائف المخ والمزاج العام حيث يعزز من أداء الذاكرة ويحفز إنتاج خلايا عصبية جديدة، ما يحسن القدرات العقلية والحالة النفسية بشكل كبير.
  • يزيد الصيام من التركيز والإنتاجية ويضع عقلك في المسار الصحيح من أجل التركيز والإنجاز بدلا من الإلهاء والتخمة التي قد تنتج عن تناول كميات كبيرة من الطعام.

يُحسن الصيام من الهضم وحركة الأمعاء فيُحسن المزاج

تُصاحب اضطرابات الجهاز الهضمي اضطرابات المزاج وتُسبب الانزعاج وعدم الراحة، لذا تؤثر صحة الجهاز الهضمي وحركة الأمعاء على المزاج والراحة النفسية.

والصيام يعني الإمساك عن الطعام والشراب منذ مطلع الشمس حتى غروبها، فهو يُمثل راحة للجهاز الهضمي والأمعاء تزيد عن 16 ساعة يوميًا لمدة شهر كامل، وبذلك يقل الضغط على حركة الأمعاء وتتحسن عملية الهضم وتقل أمراض الجهاز الهضمي.

ومن فوائد الصيام العديدة للجهاز الهضمي:

  • يقلل الصيام من إفرازات المعدة الحمضية بسبب تقليل الطعام مما يقلل من عمل المعدة ويحسن من عملية الهضم، فعندما تقل الإفرازات الحمضية تتجدد الخلايا المخاطية التي تفرز المخاط المُغلِف للغشاء المُبطن لجدار المعدة، وبالتالي تقل مشكلة عسر الهضم ومشاكل ارتجاع المريء.
  • عندما ترتاح المعدة والأمعاء لفترات كافية يحسن ذلك من الاستمرار في عملها من هضم وتنظيف السموم والفضلات وتخليص الجسم منها، ويساعد ذلك على تقليل اضطرابات الجهاز الهضمي والغازات التي تصيبك بعدم الارتياح.
  • يحسن الصيام من صحة خلايا الكبد وخصوصا في حالات مرضى الكبد الدهني، ويعمل على خفض مخزون الدهون الثلاثية في جسم الإنسان وتحسين عمل إنزيمات الكبد وتقليل معدلات السموم التي يتعرض إليها، ويساعد ذلك بدوره على تجديد خلايا الكبد وتعويض التالف منها.
  • يعمل الصيام على تحسين صحة البنكرياس حيث يخفف الجهد المحمل على خلايا البنكرياس لهضم الكميات الكبيرة من السكريات، ويساعد ذلك على علاج التهابات البنكرياس وتنظيم السكر في الدم خصوصا في مرضى داء السكري، حيث ينصح الأطباء مرضى التهابات البنكرياس الحادة عن الامتناع عن الأكل والشرب لمدة 48 ساعة من أجل توفير الراحة اللازمة لخلايا البنكرياس.
  • يحسن الصيام من المزاج من خلال تخفيف أعراض القولون العصبي، حيث يفضل لمرضى القولون العصبي تناول كميات قليلة من الطعام وشرب سوائل كثيرة من أجل تقليل الحمل على القولون والأمعاء وبالتالي تحسين اضطرابات القولون العصبي.

يساعد الصيام على النوم المُريح دون قلق

يعمل الصيام على تحسين جودة النوم، حيث يُقلل من اضطرابات الجهاز الهضمي وارتجاع المريء والقولون العصبي، وكل تلك المشاكل تلعب دورًا في اضطرابات المزاج والنوم.

لذا فإن الصيام يُحسن المزاج ويعزز من جودة النوم، ولكن يشترط أن يكون الصيام متبوعًا بنظام غذائي صحي يشمل تناول الأطعمة باعتدال وتقليل تناول السكريات والكافيين.

يُقلل الصيام من الإجهاد ويُخفف الشعور بالآلام

ذكرنا سابقا أن الصيام يحسن المزاج من خلال تحسين صحة الجهاز العصبي وإفراز هرمونات المزاج، وقد وجد الباحثون أن تلك الهرمونات أو ما تعرف باسم الإندورفينات تخفف من الشعور بالإرهاق والتعب وتعمل على تقليل الإجهاد، ويؤدي ذلك إلى تحسين المزاج والحالة النفسية.

يعمل الصيام أيضا على تنظيم جدول الغذاء خلال شهر رمضان، ما يُنظم من عمل هرمون الكورتيزون المسؤول عن تخفيف الإجهاد والتوتر.

وبذلك يحافظ الصيام على تنظيم مستوى الهرمونات في الدم وهو ما يقلل من التوتر والشعور بالإجهاد.

وتُشير دراسات علماء التغذية أيضًا إلى أن الصيام المتقطع الصحي يعمل على إفراز مادة تعرف باسم العامل العصبي المشتق (BDNF)، وهي مادة تُفرز في المخ وتَعمل علي تحسين الذاكرة ومقاومة خلايا المخ لأمراض الشيخوخة والزهايمر، والتي تعمل على تقليل الشعور بالإجهاد وتحسين المزاج.

الصيام وسيلة علاجية تُخَفف من حدة الإضطرابات النفسية

يساعد صيام شهر رمضان على تقليل الاضطرابات النفسية والشعور بالاسترخاء والراحة النفسية، كما أنه يعتبر وسيلة علاج نفسية تؤثر بشكل إيجابي على المزاج والحالة النفسية للصائم وتُعزز من التعامل مع المشاكل النفسية مثل الاكتئابوالقلق.

وعلى الرغم من أن الشائع هو ربط صيام رمضان ببعض مظاهر الانفعال والعصبية، إلا أن الدراسات العلمية أظهرت أن الصيام يحسن المزاج ويقلل من درجات القلق والاكتئاب ويحد من الإجهاد وليس العكس كما يُشاع.

الصيام يُحسن المزاج ويقوي التركيز

يعمل الصيام على توليد خلايا عصبية جديدة ويُحسن الذاكرة على المدى البعيد ويزيد من التركيز، ومن العوامل التي يجب الاهتمام بها من أجل تحسين المزاج والتركيز خلال الصيام:

  • شرب كميات ماء مناسبة خلال فترات الإفطار.
  • النوم لعدد ساعات كافية.
  • تناول كميات طعام موزونة ومتنوعة.
  • تنظيم عمل الساعة البيولوجية.

دور الصيام في تقليل الوزن

قد يساعد الصيام على فقدان الوزن ولكن بشرط تقليل السعرات الحرارية خلال ساعات الافطار، حيث يسعي البعض لاستغلال طبيعة الشهر الكريم التي تتطلب الامتناع عن تناول الطعام لفترة طويلة لانقاص وزنهم من خلال اتباع نظام صحي موزون.

ويساعد الصيام على تحفيز استهلاك الدهون المُخزنة في الجسم وخفض مستوى الكوليسترول والدهون الثلاثية، ويقلل من مقاومة خلايا الجسم للأنسولين ويعمل على انخفاض مستويات السكر في الدم.

وبطبيعة الحال، يؤثر فقدان الوزن إيجابيًا علي الحالة المزاجية العامة، خاصة عندما يكون فقدان الوزن رغبة يسعي إليها الشخص.

وعلي الرغم من ذلك، قد تؤثر بعض العادات السيئة علي اكتساب وزن إضافي خلال شهر رمضان، فكثيرًا ما يندفع الصائمين في تناول كل ما لذ وطاب من الطعام الذي غالبًا ما يكون مُحضرًا بطريقة غير صحية، علاوة على ذلك، قد يجد الكثيرون فترة الإفطار فرصة ذهبية لتناول أكبر قدر ممكن من الأطعمة بهدف الشعور بالشبع في اليوم التالي.

عادات سلبية يفعلها الصائمين تؤثر سلبًا على المزاج

قد يعاني بعض الصائمين من عوامل قد تؤثر بالسلب على المزاج والحالة النفسية، ولكن لحسن الحظ يمكننا تجنب معظم تلك العوامل.

اضطراب الساعة البيولوجية

عادة ما يساعد الصيام على تحسين جودة النوم، ولكن بسبب عادات السهر والاستيقاظ مؤخرا التي يسهل اكتسابها في شهر رمضان الكريم، قد يؤدي ذلك إلى اختلال مواعيد النوم والاستيقاظ مما يؤدي إلى معاناة الصائمين من النعاس وكثرة النوم وتعكر المزاج.

يلجأ البعض أيضا إلى حرمان أنفسهم من النوم نهارا بسبب مواعيد العمل، ويؤدي ذلك إلى نقص النوم واضطرابات الساعة البيولوجية، حيث يُحدث خللاً في إفراز بعض الهرمونات التي تُفرز أثناء النوم ليلاً مثل الميلاتونين، ويؤدي ذلك إلى تعكر المزاج وسوء الحالة النفسية.

الجفاف الشديد

يعاني معظم الصائمين من الجفاف بسبب عدم الحصول على كمية مناسبة من السوائل أثناء فترة الإفطار.

لذا احرص دائمًا أثناء الإفطار على شرب كمية مناسبة من السوائل وتناول الخضروات والأطعمة التي تحتوي على سوائل؛ لتجنب الإصابة بالجفاف الذي قد يؤثر سلبًا على الحالة المزاجية.

صيام من لا يَحق لهم الصيام

الشعوب العربية متَدينة بطبعها، فعلي الرغم من أن المولي -عز وجل- قد منح للبعض رخصة تتيح لهم الإفطار في نهار رمضان دون وقوع إثم، يصر البعض منهم علي الصيام متحملين عواقب هذا القرار، ومن هذه الأشخاص:

  • المصابين بداء السكري من النوع الأول.
  • الأشخاص الذين يعانون من أمراض نقص الوزن الحاد.
  • الذين خضعوا لعملية جراحية في فترة قريبة.
  • النساء في فترة الحيض والنفاس.

يحسن الصيام من مزاج المرأة ويعزز من حالتها النفسية

يحسن الصيام من المزاج والحالة النفسية بصفة عامة، ويُعزز من مزاج المرأة وصحتها بصفة خاصة، حيث يساهم في تنظيم إفراز هرمونات الأنوثة، ويعمل على تنظيم الدورة الشهرية، ويساعد علي ارتفاع الخصوبة، وإدرار الحليب، ويُنقي أيضًا جسم المرأة من السموم.

ورغم كل هذا الكم من المزايا، هناك عدة عادات سيئة يتبعها البعض في رمضان وكذلك عدة عوامل بدورها تؤثر سلبًا علي صحة المرأة وتؤدي لاضطرابات الدورة الشهرية، وتشمل:

  • السهر الطويل واضطرابات النوم وعدم الحصول على وقت كاف للراحة.
  • تناول كميات كبير من الحلويات والسكريات والمكسرات.
  • الإصابة باضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب.
  • الإصابة بالأنيميا ونقص المعادن والفيتامينات.

ولتجنب اضطرابات الدورة الشهرية، يجب الحرص على تناول أطعمة ذات قيمة غذائية عالية تحتوي على المعادن والفيتامينات، والحصول على كميات كافية من السوائل، بالاضافة لتجنب الحمل الزائد والمجهود المضاعف.

تساعد الأجواء الرمضانية على تحسين المزاج

يحمل شهر رمضان طابع خاص عند المسلمين خاصة في الدول العربية، حيث يُعرف بشهر الخير والكرم والبهجة والسعادة التي يشعر بها الكبير والصغير.

وتَكثُر العزومات العائلية في شهر رمضان، وتنتشر المودة بين الجميع، حيث يسارع الكل بعضهم البعض في توزيع كراتين الخير المُحملة بالزاد للفقراء والمحتاجين، وتراهم يتنافسون عند آذان المغرب لتقديم المشروبات الباردة والتمور للمارة من أجل إرساء المودة والمحبة والفوز برضا الله.

كل تلك العوامل والأجواء الرمضانية السعيدة تُحسن المزاج وتبث السرور في نفوس الصائمين.

عادات يمكنها أن تساعد في تحسين المزاج أثناء رمضان

هنالك العديد من العادات التي يمكنك أن تحافظ عليها في شهر رمضان لتساعدك في تحسين المزاج وتجنب الإجهاد والتوتر عند الصيام، ومن أهم تلك العادات:

تناول الطعام على فترات

يجب عليك تجنب الإفراط في تناول الطعام مباشرة بعد الإفطار، لأنه من الممكن أن يؤدي ذلك إلى عسر الهضم وارتجاع المريء.

حاول أن تقسم الإفطار على وجبات خفيفة من موعد الإفطار حتى السحور لكي تتجنب اضطرابات الجهاز الهضمي، وبذلك تتجنب اضطرابات المزاج الناتجة عن عسر الهضم.

شرب كمية كافية من الماء

حافظ علي شرب الماء بانتظام أثناء فترة الافطار لكي تتجنب الجفاف والإمساك وآلام المعدة ومشاكل الهضم.

الحرص على تناول الألياف الغذائية

تُعد الألياف من أفضل وأخف الأطعمة المُحسِنة لصحة جهازك الهضمي، حيث تحتوي على المعادن والعناصر الغذائية والسوائل.

وتساعد كل تلك المكونات على الشبع لفترة طويلة ومقاومة الجفاف، وتجنب اضطرابات المزاج المصاحبة للصيام لساعات طويلة، ويمكنك الحصول على الألياف من الخضروات والبقوليات مثل الفاصوليا والعدس.

تجنب النوم على معدة ممتلئة

ينصح الأطباء عادةً بالتوقف عن تناول الطعام قبل النوم بساعتين على الأقل، حيث لا يعمل الجهاز الهضمي بشكل سليم أثناء النوم، وهذا يفسر سبب تعكر المزاج والحالة النفسية عند الاستيقاظ أثناء الصيام بعد وجبة سحور دسمة، لذا احرص على جعل وجبة السحور خفيفة وفي وقت مبكر قبل الفجر بساعتين على الأقل لتضمن مزاجًا صافيًا في اليوم التالى.

خلاصة الأمر أن الصيام يُحسن المزاج والحالة النفسية، ويُزيد من التركيز واليقظة، ويُقلل من التوتر والاكتئاب، ويُعالج اضطرابات الجهاز الهضمي وعسر الهضم، ولكن كل هذه المميزات مشروطة بالحرص على الانتظام في النوم، والحصول على كميات كافية من السوائل، واتباع نظام غذائي صحي مدعوم بعادات صحية، واحرص علي دمج نفسك في الطقوس الرمضانية بشكل كبير، فهي العامل الأهم لبث السرور في نفوس الصائمين.